أحمد بن أعثم الكوفي
300
الفتوح
فقتلوا منهم بشرا كثيرا وقتل وزير من وزراء كسرى يقال له البحير جان ( 1 ) فيمن قتل ، وهزمهم المسلمون حتى بلغوا بهم إلى موضع عسكرهم واشتبكت الحرب هنالك ، فلم يزالوا كذلك يقتتلون إلى أن جاء الليل فحجز بين الفريقين ، فرجع المسلمون إلى موضع عسكرهم ، فباتوا ليلتهم تلك ولهم أنين شديد من كثرة ما بهم من الجراحات ، توقد لهم النيران ويعصبون بالزيت والحراق ( 2 ) ، وهم في ذلك يدعون الله عز وجل ويتضرعون إليه ويسألونه النصر على أعدائهم . فلما أصبحوا قال فقال النعمان بن مقرن : أيها الناس ! استمعوا كلامي واحفظوا وصيتي ، فقالوا : قل أيها الأمير ! نسمع كلامك ونحفظ وصيتك ، فقال : إن الفرس قد أخطروا لكم أخطارا وأخطرتم لهم أخطارا ، فإن أنتم هزمتموهم ترجعون إلى نعمة وسرور ، وإن هزموكم فلا بصرة ولا كوفة ولا مدينة ، واعلموا بأنكم قد أصبحتم بابا بين الاسلام والشرك ، وإن كسر هذا الباب دخل على الاسلام منه بلاء ، فالله الله عباد الله الاسلام أن تخذلوه فإنكم عباد الله الذين توحدونه وتعبدونه ، فإنما تقاتلون خلقا من خلقه يأكلون رزقه ويعبدون غيره ، يعبدون الشمس والقمر والنار ، وينكحون الأمهات ، والأخوات والبنات والخالات والعمات ، فكل فاحشة يعملون بها وكل حرمة ينتهكونها ، وقد ساقكم الله عز وجل إليهم وساقهم إليكم هوانا لهم وكرامة لكم ، فتقربوا إلى الله عز وجل بجهاد العادلين بالله وارغبوا في عظيم ثواب الله ، ألا ، فإني هاز لكم رايتي هذه ، فإذا رأيتموني قد هززتها فشدوا عمائمكم على بطونكم وشمروا عن سواعدكم ، فإذا هززتها الثانية لكم فليضم كل رجل منكم ثيابه وليتعاهد عنان فرسه ولينظر إلى حزامه وثفره ولببه وليتهيأ للحملة ، فإذا هززتها لكم الثالثة فليضع كل رجل منكم رمحه بين أذني فرسه ولينظر إلى وجوه مقاتلة ، وإني مكبر بعد ذلك فكبروا وشدوا على القوم شدة واحدة وقولوا : لا حول ولا قوة إلا بالله . قال : فناداه عمرو بن معديكرب : أيها الأمير ! إنا قد سمعنا كلامك وحفظنا وصيتك ، فإن أصبت - وأعوذ بالله أن يكون ذلك - فمن يكون على الناس أميرا بعدك ؟ فقال : إن أصبت - وأنا أرجو أن يرزق الله عز وجل ابن مقرن الشهادة -
--> ( 1 ) كذا بالأصل ، ولعله النخيرجان ( فتوح البلدان ص 302 ) . ( 2 ) الحراق : الملح الشديد الملوحة ( اللسان ) .